ابن المقفع
263
آثار ابن المقفع
17 السّائح والصّائغ قال دبشليم الملك لبيدبا الفيلسوف : قد سمعت هذا المثل ، فاضرب لي مثل الذي يضع المعروف في غير موضعه ويرجو الشكر عليه . قال الفيلسوف : أيها الملك ، ليس أضيع من جميل يصنع مع غير شاكر ولا أخسر من صانعه ، كما أنه لا بذر أنمى من بذر الجميل في قلوب الشاكرين ، ولا تجارة أربح من تجارته ، ومع ذلك فإن المرء جدير أن يصنع المعروف إلى كل أحد ، فإنه إن ضاع المعروف عند الناس لا يضيع عند اللّه ، ولا سيما إلى ذوي الشكر والوفاء كيف كانت منزلتهم فلعله احتاج إليهم يوما من الدهر فيكافئوه عليه ، غير أن الملوك وغيرهم من ذوي العقول إذا تعمدوا بمعروفهم أحدا يختصونه به ينبغي لهم أن يضعوه موضعه ولا يضيعوه عند من لا يحتمله ولا يقوم بشكره . فينبغي للملوك ألا يصطفوا أحدا إلا بعد الخبرة بطرائقه والمعرفة بوفائه ومودته وشكره . فإن من أقدم على المشهور بالاستقامة والعفة ، واسترسل إليه من غير اختبار ولا تجربة كان مخاطرا في ذلك مشرفا منه على هلاك وفساد . ألا ترى أن الطبيب الرفيق العاقل لا يكتفي في مداواة المريض بالمعاينة فقط ، لكنه لا يقدم على علاجه إلا بعد تعرف أحواله والجس لعروقه ومعرفة طبيعته وسبب علته ، فإذا عرف ذلك كله أقدم على